البيمارستان النوري إشراقة حضارية وفكرية

الأربعاء 27 مايو 2020 - 17:05 بتوقيت دمشق
البيمارستان النوري إشراقة حضارية وفكرية

يعد البيمارستان النوري من مفاخر العمارة العربية الإسلامية في دمشق

 

يقع البيمارستان النوري في حي الحريقة "سيدي عامود سابقاً" إلى الجنوب الغربي من الجـــامع الأمـوي في مدينة دمشق القديمة، وهو أحد ثـلاثة بيمارسـتانات شـيدت في دمشق وهي (البيمارستان النوري، البيمارستان القيمري، البيمارستان الدقاقي).

ويعد البيمارستان النوري من مفاخر العمارة العربية الإسلامية في دمشق، ونموذجاً لفن العمـــارة السلجوقي والأتابكي من حيث مخططه وطرازه المعماري والزخرفي.

 

وكلمة بيمارستان هي كلمة فارسية الأصل مؤلفة من مقطعين (بيمار) معناها مريض، و(ستان) معناها دار، أي "دار المرضى". وكانت البيمارستانات بمثابة مستشفيات تعالج المرضى، كان فيها قسم الكحالة (طب العيون) وقسم الصيدلة وقسم العلاج النفسي وقسم الجراحة، وكانت أيضاً بمثابة مدارس يعلم فيها كافة العلوم الطبية المذكورة.

 

حيث روي أن السلطان نور الدين الزنكي أسر أحد ملوك الفرنجة، وأطلق سراحه مقابل فدية مالية تقدربـ(300000)دينار، فبنى فيها البيمارستان النوري في عام 1154م، حيث كان أول وأعظم جامعة طبية في ذلك العصر وفي الشرق كله، لقد استقدم السلطان نورالدين لبناء هذا المبنى خيرة الخبراء من الحرفيين والمهندسين مثل (المهندس أبو الفضل الحارثي)، وبعد الانتهاء من البناء، كان العلاج يقدم مجاناً للمرضى الفقراء والأغنياء على السواء، وكان يأمر بإعطائهم المال والثياب خلال فترة نقاهتهم دون أن يضطروا للعمل. ووسع البيمارستان الطبيب بدر الدين ابن قاضي بعلبك عام 1239م، ورمم البيمارستان النوري خلال الفترة المملوكية (خلال حكم السلطان الظاهر بيبرس، ثم من بعده خلال حكم السلطان قلاوون).

 

وما يميز البيمارستان النوري هو بوابته التي تعلوها المقرنصات بحيث تشكل هرماً تعلوه طاسة مظلية، وفي قاعدة هذا الهرم نسق من الأعمدة المعقودة بالأقواس. وله باب خشبي صفح بالنحاس وزخرف بالمسامير النحاسية موزعة بشكل هندسي رائع، ويعلوه ساكف حجري يعود إلى العهد الروماني نقل من بناء قديم. ثم يلي هذا الباب موزع مربع الشكل (5×5)م، يقوم مقام الدهليز، ويعتبر من أجمل غرف المبنى من الناحية الزخرفية، وهو واقع بين الباب الخارجي للبناء والباب الداخلي حيث زود بإيوانين صغيرين على الجهة اليمنى واليسرى وهو مسقوف بعقد مزينة بزخارف تشابه زخارف الباب الرئيسي، وعلى الجدران أشرطة كتابية وزخارف تشير إلى أعمال الإصلاح التي تمت في العهد المملوكي، ويعلو الموزع قبة عالية تغطيها المقرنصات من الداخل والخارج وهذه المقرنصات التاريخية تجعلها من النماذج الفريدة في سورية أتت مع السلاجقة.

 

يتألف البيمارستان من باحة سـماوية مساحتها (20×15) م، تتوسطها بحرة ماء مستطيلة الشكل مساحتها (7×8.5) م، ويحيط بالبحرة بعض الأشجار المثمرة والأزهار والنباتات الجميلة. وللبناء ثلاثة أواوين كبيرة تطل على الباحة، كانت في السابق مخصصة لعقد جلسات الأطباء وإلقاء الدروس على طلبة الطب والصيدلة. ويوجد أربع قاعات، ثلاث منها كبيرة خصصت للأقسام التالية: قسم الأمراض الباطنة وقسم الجراحة والتجبير وقسم طب العيون(الكحالة) وقسم الطب النفسي الخ.وبقي البيمارستان يقدم رسالته حتى عام 1899م (وكان عدد الأطباء في تلك الفترة لايقل عن 20 طبيباً).وفي عهد الوالي العثماني حسين ناظم باشا (خلال فترة السلطان عبد الحميد الثاني) بني المشفى الوطني عام 1899م، الذي يقع شمال التكية السليمانية، واختص بمعالجة الفقراء والغرباء فسمي بمشفى الغرباء .وهو الآن "مركز رضا سعيد للمؤتمرات". أما بالنسبة للبيمارستان النوري فقد تحول إلى مدرسة للبنات. وتقديراً لمكانة هذا البناء ولدوره الذي لعبه في تطور العلوم الطبية والصيدلانية، قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بترميم البيمارستان النوري وجهزته وأعدته ليكون مقراً لمتحف الطب والعلوم عند العرب وافتتح في عام 1978م ليستقبل الزوار العرب والأجانب .

جميع الحقوق محفوظة لقناة العالم سورية 2019